أحمد بن محمد مسكويه الرازي
152
تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق
بهذا الموضع ، وسأذكرها ان اخر اللّه في الاجل عند بلوغنا إلى الموضع الخاص بها . 15 - مراتب الحيوان ونعود إلى ذكر مراتب الحيوان فنقول : ان ما اهتدى منها إلى الازدواج « 1 » وطلب النسل وحفظ الولد ، وتربيته والاشفاق عليه بالكن والعش واللباس ، كما نشاهد في ما يلد ويبيض ، وتغذيته اما باللبن واما بنقل الغذاء اليه ، فإنه أفضل مما لا يهتدي إلى شيء منها ، ثم لا تزال هذه الأحوال تتزايد في الحيوان حتى يقرب من أفق الانسان ، فحينئذ يقبل التأدب ويصير بقبوله للأدب ذا فضيلة يتميز بها عن سائر الحيوانات . ثم تتزايد هذه الفضيلة في الحيوانات حتى يشرف بها ضروب الشرف « 2 » كالفرس والبازي المعلم ، « 3 » ثم يصير من هذه المرتبة إلى مرتبة الحيوان الذي يحاكي الانسان من تلقاء نفسه ، ويتشبه به من غير تعليم كالقرود وما أشبهها ، ويبلغ من ذكائها أن تكتفي في التأدب بأن ترى الانسان يعمل عملا فتعمل مثله ، من غير أن تحوج الانسان إلى تعب بها ورياضة لها . وهذه غاية أفق الحيوان التي ان تجاوزها وقبل زيادة يسيرة خرج بها عن أفقه ، وصار في أفق الانسان الذي يقبل العقل والتميز والنطق ، والآلات التي يستعملها والصور التي تلائمها . فإذا بلغ هذه الرتبة تحرك إلى المعارف واشتاق إلى العلوم ، وحدثت له قوى وملكات ومواهب من اللّه عز وجل يقتدر بها على الترقي والامعان في هذه الرتبة ، كما كان ذلك في المراتب الأخرى التي ذكرناها .
--> ( 1 ) . أي : الزواج ، وفي اللغة الازدواج اصحّ من الزواج . ( 2 ) . أقسام وطبقات الشرف . ( 3 ) . البازي المدرّب على الصيد .